الغزالي

10

المستصفى

مقدمة الكتاب نذكر في هذه المقدمة مدارك العقول وانحصارها في الحد والبرهان ، ونذكر شرط الحد الحقيقي ، وشرط البرهان الحقيقي وأقسامهما ، على منهاج أوجز مما ذكرناه في كتاب محك النظر وكتاب معيار العلم وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به ، بل هي مقدمة العلوم كلها ، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا ، فمن شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول ، فإن ذلك هو أول أصول الفقه وحاجة جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة لحاجة أصول الفقه . بيان حصر مدارك العلوم النظرية في الحد والبرهان اعلم أن إدراك الأمور على ضربين : الأول : إدراك الذوات المفردة ، كعلمك بمعنى الجسم والحركة والعالم والحادث والقديم ، وسائر ما يدل عليه بالأسامي المفردة . الثاني : إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض بالنفي أو الاثبات ، وهو أن تعلم أولا معنى لفظ العالم وهو أمر مفرد ، ومعنى لفظ الحادث ، ومعنى لفظ القديم ، وهما أيضا أمران مفردان ، ثم تنسب مفردا إلى مفرد بالنفي أو الاثبات ، كما تنسب القدم إلى العالم بالنفي فتقول ليس العالم قديما ، وتنسب الحدوث إليه بالاثبات فتقول : العالم حادث ، والضرب الأخير هو الذي يتطرق إليه التصديق والتكذيب ، وأما الأول فيستحيل فيه التصديق والتكذيب ، إذ لا يتطرق التصديق إلا إلى خبر ، وأقل ما يتركب منه جزآن مفردان : وصف وموصوف ، فإذا نسب الوصف إلى الموصوف بنفي أو إثبات ، صدق أو كذب ، فأما قول القائل : حادث ، أو جسم ، أو قديم ، فأفراد ليس فيها صدق ولا كذب ، ولا بأس أن يصطلح على التعبير عن هذين الضربين بعبارتين مختلفتين ، فإن حق الأمور المختلفة أن تختلف ألفاظها الدالة عليها ، إذ الألفاظ مثل المعاني فحقها أن تحاذى بها المعاني ، وقد سمى المنطقيون معرفة المفردات تصورا ومعرفة النسبة الخبرية بينهما تصديقا فقالوا : العلم إما تصور وإما تصديق ، وسمى بعض علمائنا الأول معرفة ، والثاني : علما ، تأسيا بقول النحاة في قولهم : المعرفة تتعدى إلى مفعول واحد ، إذ تقول : عرفت زيدا ، والظن يتعدى إلى مفعولين ، إذ تقول : ظننت زيدا عالما ، ولا تقول : ظننت زيدا ، ولا ظننت عالما ، والعلم من باب الظن فتقول : علمت زيدا عدلا ، والعادة في هذه الاصطلاحات مختلفة ، وإذا فهمت افتراق الضربين فلا مشاحة في الألقاب فنقول الآن : إن